ابن قيم الجوزية
41
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكرا أبدا . ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في « إشاراته » : العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسرّ اللّه تعالى في القدر ، وهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل . وأعرف خلق اللّه به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر ، وإنما أرسلوا لإنكار المنكر ، فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر ، فإن الأمر يوجب عليه الإنكار والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام : إياك نعبد وإياك نستعين وفي مقام : فاعبده وتوكّل عليه ، فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره ، فهذا حقيقة المعرفة ، وصاحب هذا المقام هو العارف باللّه ، وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول : أصبحت منفعلا لما يختاره * مني ففعلي كله طاعات ويقول : أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته ويقول : العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسرّ اللّه في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم ، وإنما حكى اللّه سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل فقال تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا ( 148 ) إلى قوله قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) [ الأنعام ] وقال تعالى وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ إلى قوله فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 35 ) [ النحل ] وقال تعالى وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ ( 47 ) [ يس ] وقال تعالى وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 20 ) [ الزخرف ] .